ابن أبي الحديد

267

شرح نهج البلاغة

ونهروني حتى رفع ذلك من أمري للوليد بن عقبة فبعث إلى فحبسني . قال وهذه الجملة التي أوردناها قليل من كثير ، في أن الخلاف كان واقما ، والرضا كان مرتفعا والامر إنما تم بالحيلة والمكر والخداع وأول شئ مكر به عبد الرحمن أنه ابتدأ فأخرج نفسه من الامر ليتمكن من صرفه إلى من يريد وليقال : إنه لولا إيثاره الحق وزهده في الولاية لما أخرج نفسه منها ، ثم عرض على أمير المؤمنين عليه السلام ما يعلم أنه لا يجيب إليه ولا تلزمه الإجابة إليه ، من السير فيهم بسيرة الرجلين وعلم أنه عليه السلام لا يتمكن من أن يقول : إن سيرتهما لا تلزمني لئلا ينسب إلى الطعن عليهما وكيف يلزم سيرتهما ، وكل واحد منهما لم يسر بسيرة الاخر ! بل اختلفا وتباينا في كثير من الاحكام ، هذا بعد أن قال لأهل الشورى : وثقوا إلى من أنفسكم بأنكم ترضون باختياري إذا أخرجت نفسي ، فأجابوه - على ما رواه أبو مخنف بإسناده - إلى ما عرض عليهم إلا أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنه قال : أنظر لعلمه بما يجر هذا المكر حتى أتاهم أبو طلحة ، فأخبره عبد الرحمن بما عرض وما جاء به القوم إياه إلا عليا فأقبل أبو طلحة على علي عليه السلام ، فقال : يا أبا الحسن ، إن أبا محمد ثقة لك وللمسلمين ، فما بالك تخافه وقد عدل بالامر عن نفسه ، فلن يتحمل المأثم لغيره ! فأحلف علي عليه السلام عبد الرحمن بما عرض ألا يميل إلى الهوى وأن يؤثر الحق ويجتهد للأمد ولا يحابى ذا قرابة ، فحلف له ، وهذا غاية ما يتمكن ( 1 ) منه أمير المؤمنين عليه السلام في الحال ، لان عبد الرحمن لما أخرج نفسه من الامر ، وظنت به الجماعة الخير ، وفوضت ( 2 ) إليه الاختيار لم يقدر أمير المؤمنين عليه السلام على أن يخالفهم وينقض ما اجتمعوا عليه ، فكان أكثر ما تمكن منه أن أحلفه ، وصرح بما يخافه من جهته ، من الميل إلى الهوى ، وإيثار القرابة ، غير أن ذلك كله لم يغن شيئا ! .

--> ( 1 ) الشافي : ( تمكن ) . ( 2 ) الشافي : ( وفوضوا ) .